شعراء الإسلام


لعب الشعر دورا بارزا في نشر رسالة الإسلام عبر التاريخ، وقام شعراء الإسلام بواجبهم في دعم مسيرة الدعوة الإسلامية وتصدوا بشجاعة لهؤلاء الذين وظفوا مواهبهم الشعرية للنيل من الإسلام والتشكيك في رسالته، والترويج للقيم الهابطة التي تستهدف نشر الرذيلة بين المسلمين، وكان لشعراء الحق والفضيلة الذين حملوا رسالة الإسلام الكلمة العليا بما أوتوا من فصاحة وقدرات بيانية ولغوية، وبما استقر في نفوسهم وقلوبهم من أضواء اليقين وإشراقات الإيمان.

الدين الحنيف يرحب بالشعر الملتزم

حول موقف الإسلام من الشعر والشعراء يقول الداعية الكبير الدكتور يوسف القرضاوي: يظن كثير من الناس أن الإسلام اتخذ موقفا مناهضا للشعر والشعراء استنادا لقول الحق سبحانه وتعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا (الشعراء (،224 227).
وهذا في الواقع فهم قاصر، فالإسلام اعتمد على الشعر كوسيلة لنشر رسالته وتعميق قيم الإيمان في نفوس المسلمين وتفنيد سهام المعاندين الجاحدين.
ولكن ما الشعر الذي يرحب به الإسلام ويحرص على توظيفه لخدمة دعوته ونشر رسالته؟
يجيب الدكتور القرضاوي: الشعر، والأدب عامة، له هدف ووظيفة، وليس سائبا، فهو شعر ملتزم وأدب ملتزم، وفن ملتزم، أما القوالب التي يظهر فيها الشعر أو الأدب فلا مانع من تغييرها وتطويرها واقتباس ما يلائمنا مما عند غيرنا، المهم هو الهدف والمضمون والوظيفة.
القرآن والشعراء
والقرآن الكريم لم يذم جموع الشعراء، بل ذم المنافقين والكذابين منهم الذين يوظفون هذا الفن الراقي للتكسب على حساب القيم والفضائل.
حول قول الحق سبحانه: والشعراء يتبعهم الغاوون يقول الشيخ عطية صقر الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر: هذه الآية نزلت كما يقول المفسرون في عبدالله بن الزبعري، ونافع بن عبد مناف، وأمية بن الصلت، وقيل نزلت في أبي عزة الجمحي، والذين استثناهم الله عز وجل بقوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون هم: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير ومن على شاكلتهم ممن يقولون الحق.
وجاء في كتب التفسير أن حسان بن ثابت لما نزلت هذه الآية أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالرد على المشركين فقال: انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ولا تذكروا الآباء والأمهات كما أذن لكعب فيه وقال: إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل.
ويعقب الشيخ عطية صقر على هذه النصوص القرآنية والنبوية ويقول: إن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، والحسن والقبح يتبعان الغرض من إنشاده، والمعاني التي يحتويها والملابسات التي تحوطه، والآثار التي تترتب عليه، فالقرآن ذم عدم ثبات الشعراء على مبدأ واحد، وتكسبهم بالشعر دون اهتمام بصدق ما يقولون وكذبه، ومدحت الآية الأخيرة إلا الذين آمنوا من يتقون الله في أقوالهم واستهدفوا الدفاع عن الحق والتبرئة مما ينسب إليهم من باطل.
تجسيد المبدأ الأخلاقي
المفكر الإسلامي الدكتور عبد الصبور شاهين -أستاذ اللغويات بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة- يؤكد أن الإسلام هذب الشعر وارتفع بأخلاقيات الشعراء الذين أدمنوا الفخر والكبرياء والغرور ووظفوا أشعارهم لإشعال حمية الجاهلية التي ألهبت حماس الشعراء وخلقت لهم ميدانا للتنافس ويقول: لقد كانت حمية الجاهلية جماعا لصفات إيجابية وسلبية في آن، حتى إذا جاء الإسلام كان جهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرغ الأنفس من القيم السلبية وان يملأها بالقيم الإيجابية ليعتدل الميزان الأخلاقي، فالشجاعة خلق محمود إذا لم تتجاوز إلى الطيش والغرور، والفخر محمود إذا كان بالحق، لا بالباطل، والكرم محمود إذا لم يكن إسرافا ورياء وسمعة، وهذا هو الميزان القيمي الذي بنى به الإسلام شخصية المسلم، وأنذر به قومه الذين لم يتلقوا عن آبائهم سوى قيم مشوهة أفرزتها الحياة الجاهلية.
ولذلك كان موقف الإسلام من الشعر تجسيدا للمبدأ الأخلاقي الذي يبني دستور القيم، فقد ذم الشعراء الكذابين والمنافقين لأنهم وباء أخلاقي، وامتدح الشعراء الصادقين المنتصرين بالحق وللحق، وبذلك فرض الإسلام وضعا جديدا للشعر، وحدد للشعراء طريق الإبداع الجديد، بحيث استولى القرآن على العقول والقلوب، وكان اجتهاد الإنسان المسلم في حفظ آيات القرآن والتزام تعاليمها وقيمها الأخلاقية حالة جديدة من تحصيل الثقافة الرفيعة والجديدة بحيث لم يعد الإنسان المسلم بحاجة إلى حفظ الشعر القديم أو تمثله، فقد أغناه القرآن عنه لغة ومعنى، وتبين للمؤمنين مدى التناقض بين القيم القرآنية وما يتضمنه الشعر الجاهلي من قيم مرفوضة بالمقياس القرآني الجديد.
وهكذا قدم القرآن للشاعر العربي التزاما جديدا يتضمن الإيمان والعمل الصالح والتوحيد، ومحاربة الظلم، والدفاع عن العقيدة والموت في سبيلها.
يقول الدكتور صبري عبد الدايم أستاذ الأدب الإسلامي بجامعة الأزهر: لقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف مضيئة من شعراء الحق والفضيلة الذين حملوا رسالة الإسلام، وقد دفعت بهم هذه المواقف إلى شحذ ملكاتهم وصقل مواهبهم، والوقوف في وجه أعداء الإسلام بالكلمة المؤمنة المشحونة بكل طاقات الانفعال الإيمانية التي تزلزل الجبال وتهز الرواسي، فقد روي أن نابغة بني جعدة أنشد النبي صلى الله عليه وسلم هذا البيت:
بلغنا السما مجدا وجودا وسؤددا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي صلى الله عيه وسلم: إلى أين يا أبا ليلى؟
فقال: إلى الجنة بك يا رسول الله.
قال: إن شاء الله.
فلما أنشده:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا فض الله فاك، لقد استمع النبي صلى الله عليه وسلم للشعر وتأثر به، ومنه قصيدة كعب بن زهير الشهيرة بانت سعاد وفيها من الغزل ما هو معروف، وقصيدة النابغة الجعدي، ودعا له، ووظف صلى الله عليه وسلم الشعر في خدمة الدعوة والدفاع عنها، كما صنع مع حسان، واستشهد بالشعر كما في قوله صلى الله عليه وسلم: أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
وإلى جانب سماع الرسول للشعر والثناء على قائله إذا ما التزم بقيم الحق والعدل والصدق كان صلى الله عليه وسلم يثيب عليه ويجازي عند الاقتضاء، فقد روى الإمام مسلم انه صلى الله عليه وسلم لما قسم الغنائم يوم حنين، ولم يعط العباس بن مرداس مثل ما أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن قال شعرا يمدح به نفسه ويبين استحقاقه كغيره، أتم له الرسول مائة من الإبل.
وكما اعتنى الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالشعر فعل صحابته الكرام، فقد استشهد أصحابه بالشعر وفسروا به معاني القرآن، بل منهم من قاله وأجاد فيه، كما يروى عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وهناك عدد كبير من الصحابة كانوا شعراء وكثير من أئمة الإسلام الكبار ودعاته المتميزين كانوا شعراء يوظفون هذا الفن الراقي لخدمة الحق والعدل والفضيلة.
وفي الأيام القادمة نستعرض من خلال هذا الباب سيرة ابرز شعراء الإسلام الذين نشروا رسالة الحق وتصدوا لشعراء الباطل لنؤكد أن الإسلام في أمس الحاجة اليوم إلى توظيف كل الوسائل والفنون والآداب لنشر دعوته وهديه والتصدي لخصومه وتعميق قيم الإيمان في نفوس اتباعه.